RSS

عن الإلحاد ومضاداته

قدم الدكتور أحمد خيري العمري مؤخراً مجموعة من الحلقات على اليوتيوب تحت اسم Anti إلحاد. سأسجل في هذه المقالة بشكل مقتضب بعضاً من المآخذ التي أراها جوهرية على نمط الطروحات الواردة في البرنامج.

الهدف المعلن من البرنامج هو تشكيل نوع من المناعة تجاه الإلحاد، وذلك من خلال طرح بعض الأسئلة والاعتراضات ذات الطابع الإلحادي وتقديم ردود عليها. الغاية من البرنامج تغيير التدين التقليدي إلى تدين أكثر انسجاماً مع العصر وروحه.

نختلف مع الدكتور العمري في الأدوات التي يستخدمها لتحليل الظواهر وفهمها. فنمط البرنامج القائم على الاعتراضات والردود يوحي بأن الصورة الكلية غائبة تماماً. فالقضية ليست بالاعتراض ذاته، وإنما بالدوافع والأسباب التي أوصلت إلى الاعتراض. وسأضرب مثالاً واحداً: ففي الحلقة الثانية يتناول الدكتور موضوع الدليل العلمي حول وجود الله. جوهر الموضوع في الحقيقة ليس التساؤل بحد ذاته، ولكن سبب التساؤل. لماذا قد يطلب سائل دليلاً علمياً تجريبياً على وجوده سبحانه؟

هناك تضحم في التصور لدور العلم التجريبي وقيمته عند السائل وعند الدكتور. السائل يستبطن أن الأجوبة العلمية التجريبية هي الأجوبة الوحيدة القطعية أو الحقيقية. والدكتور يتصور أن العلم مجاله الكون كله. وأنه وبغياب الدليل العلمي فإن إثبات وجود الله يقوم على “الحدس”، على تلك القفزة الإيمانية! ولتبرير ذلك يجعل الدكتور هذه القفزة مناط الاختبار في الحياة.

والغريب أن الدكتور في كتبه يرى أن معجزة القرآن الكريم هي أنه حرك العقل وأيقظه. فكيف يرى هنا أن الاختبار الأساسي للإنسان في الحياة قائم على اتخاذ قرار بطريقة لا عقلية؟!

ومن الجدير بالذكر أن هذا التصور لدور العلم التجريبي لم يأت من العلم ذاته، إذ أن العلم لا يستطيع أن يخبرك أن نظريات الفيزياء مثلاً تقدم تصوراً “حقيقياً” عن الكون، ناهيك عن أن يكون التصور الوحيد الحقيقي للكون. هذا التصور يأتي من خارج العلم، من فلسفة تؤسس للعلم كمصدر وحيد للمعرفة. وبالتالي، إذا اعتبرنا أن للمعرفة مصادر أخرى غير المنهجية العلمية التجريبة، فإن دليل وجوده سبحانه يصبح ممكناً جداً.

ومن جهة أخرى، يوجد جانب اجتماعي في الموضوع، فالسائل مثلاً لم يخطر بباله السؤال لوحده هو فقط، وإنما هناك شريحة معينة تملك اسئلة وشكوك مشابهة. وبالتالي وكجزء من تقديم المناعة يجب دراسة هذه الشريحة وملاحظة العوامل التي أدت إلى نشوء هذه الشكوك فيها.

وبالرغم من أن الدكتور يعتقد أن التدين التقليدي التراثي هو أحد اسباب كثير من هذه الشكوك، إلا أنني أعتقد أن غياب المعرفة التراثية هو السبب في ذلك! إذ أن التعليم الحديث جاء على حساب التعليم التراثي. يدخل الشاب إلى الجامعة، وخصوصاً في غير الفروع الإنسانية، ويتلقن بشكل غير واعي الرؤية العلموية للكون (Scientism). وبغياب أي تأهيل فلسفي أو زاد تراثي حقيقي، يبدأ بالنظر إلى المعارف قبل الثورة العلمية على أنها ناقصة ومغلوطة ولا تقدم الحقيقة.

طبعاً الخطب والدروس العامة الدينية المنتشرة نمطها الأعظمي وعظي لا علمي، ولا يمكن الاعتماد عليها لتأسيس رؤية يمكنها مواجهة العلموية.

وختاماً، أود أن اشير إلى نقطتين:

1- لم اتطرق في هذه المقالة إلى جميع الاعتراضات بتفاصيلها (مثل تناوله لنظرية التطور)، وإنما اكتفيت بما اعتقد أنه صلب الموضوع.

2- الدكتور أحمد خيري العمري لا يمثل نفسه فقط في طريقة طرحه هنا، وإنما هو جزء من شريحة تحاول أن تؤسس فهماً للدين بطريقة نرى أنها لا تملك الأدوات المناسبة لذلك. وبالتالي فالانتقاد ليس موجها إلى الحلقات بحد ذاتها، وإنما إلى الأدوات التي تتناول فيها هذه الشريحة أمثال هذه القضايا.

Advertisements
 
أضف تعليق

Posted by في يونيو 18, 2017 in Uncategorized

 

عن التراث والتجديد

يكثر الحديث في هذا الوقت بالذات عن الحاجة الملحة لمراجعة التراث وتنقيته. وعادةً ما يتم تقديم داعش ومثيلاتها كنتائج للتراث وكدليل على الحاجة لهذا التجديد وهذه التنقية. لا أريد هنا نقاش معنى التجديد بحد ذاته، وإنما الإطار الذي يستخدم للدلالة على الحاجة إلى التجديد.

الواقع أن معظم النقاشات الحالية التي تتناول تجديد التراث لا تبدأ من التراث ذاته، وإنما تبدأ من الواقع. تبدأ من داعش مثلاً كدليل على هذه الحاجة. وبعبارة أدق، تبدأ من استخدام داعش نفسه للتراث وتوظيفه. تنبني هذه الطريقة في التعامل مع الموضوع على بعض الافتراضات الخاطئة تجاه التراث نفسه، وتجاه علاقته بالواقع.

فمثلاً عندما ظهر الخوارج في صدر الإسلام لأول مرة، لم يكن هنالك تراث أصلاً لإلقاء اللوم عليه. ما كان هنالك يومئذ إلا واقع معين أفرز هذه الظاهرة. وبالتالي فإن قصر أي ظاهرة على وجود رأي معين لعالم ما مكتوب في كتاب ما يؤدي إلى تجاهل السؤال الأساسي والكبير: ما الذي جعل هذه الآراء دون غيرها تتفعل في أرض الواقع؟

ولكي تتضح معالم السؤال لابد من توضيح جوهر التراث نفسه، حيث تكمن مغالطة أخرى أساسية في التعامل مع الموضوع. فالتراث مركب جدلي بطبيعته، لم تمليه جهة واحدة فقط، ولم تكتبه في مكان معين أو زمان معين. التراث هو نتيجة تراكم جهد فكري عريض زمنياً وجغرافياً لتيارات كثيرة متنوعة وممتدة. ولم يكن هذا التراكم معزولاً عن الواقع ومن قبل علماء عاشوا في قصور عاجية، وإنما جاء نتيجة احتكاك بالواقع نفسه. وليس في الإسلام جهة عليا مخولة باحتكار التراث كما في بعض الديانات الأخرى. (هذا لا يعني أن القضية مشاع لأي شخص في الشارع أن يدخل ويقول ما يريد دون أي استعداد علمي)

الآن، إذا فهمنا هذه النقطة بشكل صحيح نفهم مغالطة من يطالب بتصحيح التراث. فالتراث ليس ملكاً لجهة معينة حتى تصححه أو تلغي شيئاً منه. في أحسن الأحوال يمكن أن تشكل الآراء الجديدة “التصحيحية” تياراً جديداً يضاف إلى التراث. وتمتاز هذه الآراء بنفس صفات الآراء التراثية الأخرى: أنها من جهة وليدة الواقع، ومن جهة أخرى جدلية: جاءت لترد على آراء موجودة أصلاً. ولعل هذه الصفة الأخيرة هي ما يمكن أن يؤهلها لتصبح فيما بعد جزءاً من التراث.

وفي ضوء ذلك نفهم أكثر علاقة داعش بالتراث: فالتراث لم ينتج داعش، وإنما داعش من فعلّت من التراث جزءأً معيناً بفهم معين. الواقع الكارثي هو من أفرز فهماً كارثياً وتفعيلاً كارثياً للتراث.

ولتعميق هذه النقطة أقول: الناس لا تتحرك لمجرد وجود نص أو رأي معين في قضية ما. فالمدخن يمارس هذه العادة رغم يقينه بمضار التدخين. وفي دمشق مثلاً كانت في فترة معينة دروس أحد المشايخ تذاع يومياً في عدة قنوات تلفزيونية وراديوية. ومع ذلك لم تتحول مدينة دمشق إلى مدينة المحجبات مثلاً. وشخصياً عندما بدأت التزامي توقفت عن سماع الموسيقى باعتبار أحد الآراء الفقهية. مع الوقت عدت إلى الاستماع واخترت رأياً فقهياً آخر.

اعتقد أن التعامل الصحيح مع المشكلة يبدأ بتوصيف صحيح لها. القضية ليست تصحيح التراث وتنقيته، وإنما ببيانه كما هو: ببيان طبيعته الجدلية وتعدد آرائه، وبيان الواقع الذي أفرز تلك الآراء. المشكلة حقيقة ليست في أن تعتقد رأياً ما، وإنما في أن “تجهل” وجود رأي آخر في القضية. فمعرفتك بوجود ذلك الرأي سيعطيك الخيار، ووجود الخيار يتطلب حتماً أن تفكر لتختار. وعندها فقط، ستعذر من اختار رأياً آخر. أما إن لم تعرف أصلاً بوجود ذلك الرأي، أو عرفته لا كرأي قابل للاختيار والممارسة، وإنما كضلال يجب تجنبه، عندها نكون أمام واقع مأزوم لا يحتمل وجود الآخر.

 
أضف تعليق

Posted by في نوفمبر 18, 2015 in Uncategorized

 

الأوسمة: , , ,

عن السلطة والنظام

عندما تخرج صباحاً من المنزل إلى العمل، هل تشعر بأنك تقفز في المجهول، وبأنك لا تدري إذا ما كنت ستعود في المساء أم لا؟ وعندما تدخل إلى متجر ما لشراء غرض معين، هل تأخذ بشكل جدي إمكانية أن يقوم صاحب ذلك المتجر بإخراج بندقية وإفراغ بضعة رصاصات في رأسك، ثم القيام بسرقة محفظتك وانتزاع أعضاءك ليبيعها في السوق السوداء؟

يعيش معظم الناس حياتهم في حالة تسمح لهم بتوقع ما سيقع، وبناء تصرفاتهم وخططهم على هذا الأساس. هذه الحالة التي تعطي الإنسان القدرة على التنبؤ نسميها النظام. وأينما وردت كلمة نظام في هذه المقالة فهي تشير إلى هذه الحالة.

والسؤال، كيف يتولد هذا النظام؟ يعود ذلك لوجود قناعة معينة ومشتركة بين الناس. فمعظم الناس يعتقدون أنهم يستطيعون الذهاب إلى العمل دون مخاطر. ويعود ذلك لاعتقادهم أن الآخرين سيتصرفون بطريقة غير عدائية. وسبب هذا الاعتقاد يتراوح بين دافع أخلاقي، أو دافع اجتماعي، أو دافع قانوني. نسمي هذه الدوافع التي ولدت النظام بالسلطة.

وتتجلى السلطة الدينية أو الأخلاقية عند الناس في الإيمان بالله تعالى أو الضمير أو الأنفة من عمل شر دون مبرر. أما السلطة الاجتماعية، فهي تشمل الاعتقاد بتدخل الآخرين إذا تعرضنا للاعتداء، كما تشمل الاعتقاد بأن الناس تحرص على سمعتها، وبالتالي لن تفعل شيئاً يجرح هذه السمعة. وتتجلى السلطة القانونية بوجود قوة تسعى لتطبيق وفرض القانون كالشرطة، الأمر الذي يشكل رادع عند معظم الناس.

لاحظ أن السلطة القانونية غير كافية بحد ذاتها لتوليد النظام، إذ لو قرر معظم الناس أن يتحولوا إلى لصوص، فإنه من المستحيل على تلك السلطة أن تلاحق وتضبط الجميع. ولكن شيوع الاعتقاد بقدرة السلطة القانونية، بالإضافة إلى السلطة الأخلاقية والاجتماعية، كل ذلك يؤدي إلى خلق النظام.

لا يمكن للنظام أن يقوم في مجتمع ما إلا إذا توافرت في السلطة المولدة إحدى صفتين على الأقل: الشرعية والقهر. فمثلاً قد يؤمن الناس في مجتمع معين بشرعية السلطة الملكية، وبالتالي بشرعية النظام المتولد عن هذه السلطة. وقد يعتقد الناس في مجتمع آخر بعدم شرعية الحاكم، إلا انهم يشعرون بالقهر أمام سلطته. وفي كلا الحالتين تولد السلطة النظام..

والإيمان بالشرعية يعني ضمنياً الإيمان بالأفضلية. فمثلاً في معظم النظم المولَّدة عن السلطة “الديمقراطية” يسود الاعتقاد بأفضلية هذه السلطة على غيرها. وبشكل أدق، بأفضلية شكل السلطة. بمعنى أننا قد لا نرضى عن تفاصيل محددة، إلا أننا نشعر بأن هذا الشكل أفضل من غيره.

والسبب الحقيقي لهذا الاعتقاد لا يتعلق أبداً بالسلطة بحد ذاتها ومقدار “أفضليتها” الحقيقي، وإنما بعجز الناس عن التجاوز الفكري لهذه السلطة. فمثلاً عندما تعيش في الغرب وتقارن “الميزات” التي تنعم بها في ظل السلطة “الديمقراطية” مقابل الكوارث التي تعيشها دول أخرى ذات أنظمة مختلفة، لابد أن شعوراً بالأفضلية سيصيبك. وسيصبح من العسير أن تستنفد فكرياً مقومات السلطة. ستعلق عندها. وهنا ستتحول إلى التبشير بها باعتبارها، عملياً على الأقل، حلاً نهائياً لمشاكل الإنسانية.

لاحظ أيضاً أن هذا الشعور بالأفضلية لا يعود فقط إلى ما يجري على الواقع، بل يرجع في قسم كبير منه إلى الطريقة التي ننظر من خلالها للعالم، وهي ذاتها الطريقة التي تجعلنا نرى النظام القائم والسلطة المولدة مثلى. فمثلاً من الواضح لشخص يعيش في الغرب أن اقتصار عمل المرأة كربة منزل أمر سيء. والمجتمعات التي تفرض ذلك “متخلفة”.

إذاً حتى يتولد النظام لابد أن يشعر الناس بالعجز أمام السلطة. وهذا الشعور إما بسبب قهر السلطة ذاتها للناس، أو بسبب عجز الناس عن تجاوز السلطة فكرياً. وسواء كنت تعيش لدى داعش أو في الغرب، فإن اللحظة التي تبدأ فيها بتبني شكل يخالف شكل السلطة المولدة للنظام في ذلك المكان هي ذاتها اللحظة التي ستصبح فيها خارجاً عن القانون. إذ أن القانون هو التجسيد للنظام المتولد عن السلطة.

ولهذه المقدمات نتائج عديدة، منها مثلاً أن المدارس والجامعات في أي مجتمع ليست لخلق من يتحدى النظام القائم، وبالتالي السلطة المولدة. هي أماكن لتكريس النظام. أي أنك إذا كنت طالباً في مجتمع ديمقراطي مثلاً، فلابد أن تتعلم في المدرسة الشكل الديمقراطي. ولابد أن تعتقد أن هذا هو الشكل الأفضل. لابد أن تشعر بالعجز أمامه. ولا يتصور أن يسمح لك أن تفكر بطريقة تصل فيها إلى نتيجة مخالفة. ونفس القضية في أي مجتمع ذو نظام آخر.

والمتأمل في هذا المثال قد يشعر بنوع من التناقض. فالمجتمع الديمقراطي هو مجتمع قائم على الفردانية. هو مجتمع مكون من أفراد وليس من جماعات. وهو المجتمع الذي “يشجع أفراده على التفكير” واتخاذ القرارات بشكل فردي، وعلى تكوين الآراء. فكيف يمنع هذا المجتمع أفراده من التفكير؟ الواقع أنه يشجع على التفكير ضمن هذا الإطار وبناء على هذه المسلمات. وليس على التفكير في هذا الإطار. إذ لا يمكن أن تكون عضواً في مجتمع ديمقراطي دون أن تؤمن أصلاً بفرديتك، ودون أن تعتقد أن هذه الفردية أمر إيجابي. وهذه قضايا غير قابلة للنقاش في هذا المجتمع، فبأي حق يمكن مصادرة “حق” الناس في ذلك؟

وهذه المقدمات تسمح لنا بتفسير بعض المشاهدات التي نراها عند بعض المسلمين في الغرب. فحالة العجز أمام السلطة هناك، وبالتالي التقديس للنظام الموجود تنعكس على النظرة للدين. فالإسلام لم يكن فكرة مجردة، بل هو سلطة (بدأ بالمعنى العام ثم أصبح بالمعنى الخاص) أفرزت نظاماً. وبالتالي فإن العجز أمام السلطة الموجودة تدفع المسلمين هناك إلى محاولة إعادة فهم الدين بشكل ينسجم مع النظام القائم. لهذا السبب نرى الدعوات لتعديل الدين وتجديده كي يماشي الواقع، على اعتبار أن الواقع لم يتغير فقط، بل تقدم. إذ لو أن القضية مغايرة فقط لما كان بالإمكان الحديث عن أفضلية الواقع وحاجة الدين كي يماشيه.

ولهذا السبب أيضاً لا نسمع عن دعوات لتغيير الواقع كي يماشي الدين، لأن هذه الدعوات بالضرورة هي تراجع عن الحالة المثالية القائمة.

وفي الختام، وبسبب حساسية الموضوع وتعقيده من جهة، وطبيعة العصر التي جعلت الناس لا يستطيعون القراءة، أقول أنك إذا فهمت من كلامي هذا:

  • أن نظاماً أو سلطةً في الشرق أو الغرب جيدة أو سيئة
  • أن مسلمي الغرب على حق أو باطل
  • أن الحل هو العودة إلى شكل محدد للسلطة في عصر ما
  • أن الحياة في الغرب كالحياة عند داعش
  • أن المرأة يجب (أو لايجب) أن تبقى في المنزل

فاعلم أنه قد فاتك تماماً ما أود قوله، ولست مسؤولاً عن سوء الفهم هذا.

 
2 تعليقان

Posted by في نوفمبر 9, 2015 in Uncategorized

 

عن مفهوم التربية

نعيش في عالم اليوم صراعات على عدة مستويات، تشكل الفكرية منها جانباً اساسياً. بعض الصراعات في الحقيقة نتائج لاختلافات أعمق، وغالباً ما تكون غائبة عن الواجهة. من المفاهيم التي يتجاذبها هذا النوع من الصراعات مفهوم التربية.

لابد أولاً من التأكيد على أنه لا يمكن فصل مفهوم التربية عما يسمى رؤية العالم Weltanschauung. بعبارة أخرى، معنى التربية ومكانتها وأهميتها تتعلق بالمفاهيم الأساسية التي نستخدمها لتوصيف الكون والحياة.

لو افترضنا مثلاً أن الحقيقة (الوحيدة) هي أنه لا وجود لأية حقيقة أخرى (لأنه لا يمكن القول بنفي الحقيقة مطلقاً بدون الوقوع في تناقض)، أي أن العبارات مجرد وجهات نظر لا أكثر، وليس هنالك أي رابط لها مع الحقيقة، أقول لو افترضنا ذلك فإن عملية التربية ستنكمش حتماً. ستصبح تربية “شكلية”، تتعلق بطريقة الحوار والابتسام وبألا ينفعل الإنسان أثناء النقاش وألا يشعر بالضيق من محاوره. ستدور التربية حول تلطيف الغرور والاعتداد بالرأي. ستصبح التربية عبارة عن تمارين ذهنية يقوم بها الإنسان ليفرغ أو يحول مشاعره السلبية. هذه التربية، وإن كانت تتقاطع في مناطق صغيرة جداً مع التربية التراثية الإسلامية إلا أنها مختلفة عنها جذرياً. التربية التراثية تنطلق من فكرة وجود الحقيقة، وبأن الإنسان يمكن أن يصاب بالعمى فلا يبصرها. التربية التراثية تبدأ من أن الوصول للحقيقة فضل من الله تعالى، الأمر الذي يترتب عليه الكثير من النتائج.

وحتى نفهم الأمر بشكل أعمق لابد من أن نعود خطوة إلى الوراء ونلقى نظرة إلى مفهومي الكون والمعرفة. فـالنظرة المادية – العلمية تقوم على أن الكون عبارة عن جسيمات تتحرك وتتفاعل وفق “قوانين”، وبأن التجربة مصدر للمعرفة، ومضمون المعرفة هو تلك القوانين وما ينتج عنها من تطبيقات. النجاح الكبير لهذه النظرة من الناحية التقنية شكل الدافع لأسلمة هذه المفاهيم، الأمر الذي جعل من العسير على تيار عريض من المسلمين أن يتخلى عن هذه المفاهيم أو أن يشك لحظة في إسلاميتها.

إسلامياً، الكون (بالمعنى الكلي) يبدأ من الله كذات واعية متصرفة لها أسماء وصفات. مصادر المعرفة متنوعة. التجربة إحدى هذه المصادر وتتعلق بجانب محدود من الكون. سنة الله، المقابل الإسلامي للقانون لمادي، تختلف تماماً عن القانون الفيزيائي. فهي تعرف ليس فقط من التجربة، وإنما بالوحي أيضاً. فالأصل هو طلاقة إرادته سبحانه، ولن تجد في القرآن الكريم ورود لكلمة سنة الله بمعنى القانون الفيزيائي، وإنما تفاعل إرادة الله مع إرادة الإنسان، إن كفر عوقب، وإن آمن كوفئ. وقد يأخذ العقاب شكلاً مادياً. علمياً، يعتبر هذا المفهوم غير صحيح إطلاقاً. فكفر الإنسان وإيمانه لا علاقة لهما بالكوارث الطبيعية.

هنا يتبدى لنا الفرق في مفهوم التربية بين الرؤيتين: علمياً، إن كان للتربية دور في الوصول إلى المعرفة فهي تتعلق بالتزامك بمنهجية معينة: أن تؤدي خطوات المنهج العلمي بأمانة وتسجل النتائج التي حصلت عليها بدقة. بينما إسلامياً، الوصول إلى الحقيقة لا يتم فقط بمجرد التزام منهجية معينة، هنالك هداية من الله ضرورية حتى تصل إلى الحق. الهداية التي تتعلق بانشراح الصدر وقبول القلب للحقيقة. لاحظ هنا أننا نتعامل مع كون مختلف عن الكون العلمي. الكون الذي نتعامل معه هنا ليس فقط “مجرد” كواكب وثقوب سوداء و.. إلخ تتحرك وفق قوانين ثابتة ويشكل الإنسان جزءاً لا يذكر من مادته. الكون هنا كون حي، كون أصله الوعي، كون تتفاعل فيه إرادة الله مع إرادة الإنسان. كون محكوم لا بالقوانين، ولكن بهيمنته وقدرته وإرادته جل جلاله. لهذا السبب فإن الوصول إلى الحقيقة في كون الله تعالى يحتاج إلى ما لايحتاجه الوصول إليها (إن وجدت أصلاً) في كون المادة.

وفي الختام، أستطيع أن اتصور الحواجب المرفوعة والعيون المفتوحة دهشةً واستغراباً أو استهزاءً. من جهة بسبب ما قد يستدعيه هذا الكلام في أذهان الكثيرين من صور متخلفة لأطروحات تطعن في العلم التجريبي بشكل غبي (مثل رفض دوران الأرض وغيرها)، ومن جهة أخرى لأنه طعن في أمر مقدس في لاوعي الكثيرين. على أية حال، كلامي الآن لم يتطرق أبداً إلى نتائج العلم ومكتسباته التقنية (وإن كانت بلا شك محل إشكالية في علاقتها مع القداسة) وإنما يتعلق بالأرضية الفلسفية المادية والافتراضات الكلية التي يقوم عليها.

 
أضف تعليق

Posted by في سبتمبر 13, 2015 in Uncategorized

 

الأوسمة:

عن الوعي واللغة: متحف نينوى نموذجاً

يتعلق تعاملنا نحن البشر مع الواقع لا بما يجري فيه وإنما بوعينا لهذا الواقع. ويرتبط هذا الوعي كثيراً باللغة، بل لعل ارتباطه بها أشد من ارتباطه بالواقع نفسه. فوعينا لشيء ما ينعكس على اللغة بخلق مفردة لهذا الشيء. كما أن مفردات اللغة تنعكس على وعينا وتشكل الأساس الذي ننظر فيه للواقع.

فوجود كلمة “الكأس” مثلاً انعكاس لوعينا بوجود الكأس في الواقع. وبشكل أدق، هو انعكاس لتمييزنا هذه الكينونة “الكأسية” عما سواها من الكينونات الأخرى. يشكل هذا التمييز أساس الوعي. فبالرغم من وجود تداخل كبير بين الماء والكأس الذي يحويه، فإننا، في وعينا، نميز بينهما، وينعكس ذلك بوجود لفظتين مختلفتين (“ماء” و” كأس”) للتعبير عن هذا التمييز.

الآن، إذا اخبرتك بأن هنالك كأساً على طاولتي، وصدقتني، فإنك الآن تبدأ بتشكيل وعي عما هو موجود على هذه الطاولة. لاحظ أن وعيك الآن يتشكل من النص، وهو جزئي بالضرورة. فأنت لا تدري هل الكأس زجاجية أم بلاستيكية، وماهو لونها، وهل هي فارغة أم ممتلئة. لاحظ أيضاً أن وعيك لهذا الكأس مبني أساساً على خبرتك أنت مع الكؤوس. تصورك لشكل الكأس ولسبب وجوده على الطاولة يتعلق أساساً بتلك الخبرة. قد لا يتصور البعض سوى أن هذا الكأس مخصص للشرب. في حين أن البعض الآخر يرى أيضاً إمكانية وجود بضعة أقلام في هذا الكأس.

لاحظ إذاً أن وعينا لأبسط الأمور، لكأس، ليس متطابقاً تماماً، وإنما يختلف من شخص لآخر. وينعكس هذا الاختلاف على تفسيرنا لعبارة “على طاولتي كأس”.

وتبرز شدة الاختلاف عندما ننظر إلى نفس المفهوم في ثقافات مختلفة. فمثلاً مفهوم “الأب” في الغرب اليوم يختلف تماماً عن مفهوم “الأب” في اليابان قبل مئتي عام مثلاً. اختلاف لدرجة أن شكل اللغة اليابانية يتغير عندما نوجه خطابنا للأب (يشبه الأمر إلى حد ما ثنائية Tu – Vous في الفرنسية، أو استخدام الجمع لخطاب المفرد في العربية). ولا زال تأثير ذلك حتى اليوم في اليابان برغم موجة التغريب الشديدة التي تعرض لها.

كما يبرز الاختلاف عندما ننظر إلى نفس المفهوم في أزمنة مختلفة. فمثلاً تداخل فكرة العبودية قبل ألف عام مثلاً في معظم نواحي الحياة، في وعي الناس آنذاك، جعل من غير المفهوم أو المتوقع، في وعيهم نفسه، التخلي عنها. ولم يكن من الممكن التفكير في إنهائها إلا بتغيير مقدمات كانت تجعل من وجودها ضرورة “حتمية”. ومعظم النقاشات والتساؤلات التي تدور اليوم عن العبودية وعن سبب الإلغاء المتأخر لها هو نتيجة لإسقاط وعي الناس اليوم على ذلك الواقع التاريخي. يشبه الأمر إلى حد ما محاولة شخص يعيش في الغرب اليوم أن يفهم طريقة تعامل اليابانيين مع آبائهم منذ مئتي عام دون فهم وعي اليابانيين في تلك الحقبة.

هذه نقطة شديدة الأهمية وتفتح لنا الباب لفهم الخلل الحاصل عند بعض “العلمانيين” وبعض التيارات الإسلامية. كثير من الاعتراضات العلمانية على السياق التاريخي الإسلامي تتجاهل الوعي الموجود في تلك الحقب التاريخية وتحاكم التاريخ بالوعي الحاضر (الكلام يستثني أصحاب البضاعة التاريخية المزجاة ذوو الانتقائية). بالمقابل، فإن التيارات الإسلامية الحرفية التي تعتمد الفتاوى التاريخية، بما تفترضه تلك الفتاوى من وعي هو أصلاً تاريخي، وتحاكم الواقع عليه تقع في نفس الخطأ. كلا المحاكمتان خاطئتان لأنهما تفترضان واقعاً متوهما لم يكن أو لم يعد موجوداً.

يمكن الآن أن نفهم بعمق ما حدث في متحف نينوى. كانت هذه التماثيل، في وعي الدواعش، عبارة فقط عن أصنام تعبد. هذا الوعي لم ينبني من الواقع، لم يدخل أحد منهم المتحف ليجد عابد صنم قد خر ساجداً أمام إحدى هذه التحف. هذا الوعي انبنى من النص، من اللغة، التي نقلت وعياً تاريخياً. لاحظ أنني استخدم كلمة “تحف” للتعبير عن التماثيل. الكلمة التي تعكس وعياً معيناً لم يكن موجوداً من قبل.

المتحدث في الفيديو الذي نشرته داعش يدرك أن لهذه الأصنام قيمة مرتفعة جداً كما أقر بنفسه، ولكنه لم يبحث عن السبب، ولم يحاول أن يفهم علاقة النص الذي قرأه بالواقع الذي يعيشه. بعبارة أخرى، هزم النص الواقع في بناء الوعي عنده، الأمر الذي أدى إلى أن ينظر إلى الواقع بعيون تاريخية.

وفي الختام أقول: يحاول البعض في هذه القضية تحديداً تبرير الأمر. يقولون مثلاً بأن الدماء التي تنزف اليوم أغلى بألف مرة من هذه الأحجار. تبدو كلمة صدق، إذ لو كانت هذه الأزمات تنتهي بتدمير هذه التماثيل لما تردد إنسان في ذلك. ولكن هذا الوعي مشوه. سل أي لاجئ خرج من بيته الذي قصف وتهدم بعد أن أفنى فيه عمره، ماذا يعني لك ذلك المنزل؟ إن علاقة اللاجئ ببيته تشبه علاقة الأمة بتراثها. الفرق أن تدمير المنزل يتعلق بشخص أو عائلة بعينها، أما تدمير التاريخ فيتعلق بالأمة بأكملها، بالإنسانية جميعها. القضية ليست دماء مقابل أحجار، وإنما الإنسان (بدمه وتاريخه) مقابل العدم.

 
تعليق واحد

Posted by في مارس 1, 2015 in Uncategorized

 

الأوسمة: , , , , ,

بين كيبلر وإبراهيم

كتب أحد المثقفين تعليقاً فحواه أنه، ربما، لو كان رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه بيننا اليوم لأمر بتخفيف اللحى والشوارب واستخدام فرشاة الأسنان ومزيل الرائحة والتجمل، ولأمر بدخول كليات ومعاهد علوم الاجتماع والنفس، وأنه، ربما، كان سيقول أيضاً بأن اسم الدولة وشكلها ليسا مهمين والمهم هو قيامها على العدل والوصل والسلم ونبذ الظلم والقطع والحرب. وأنه كان معاصراً لزمانه وسيكون معاصراً لزماننا. انتهى كلامه.

يمثل هذا التعليق توجهاً لدى شريحة كبيرة من المثقفين لدينا، وهو أحد الأجوبة الموجودة اليوم في الأمة على “التحدي” الذي تواجهه. إن التأمل في هذا التعليق يعكس وجهة نظر ليس حول “الحل” فحسب، وإنما حول وظيفة الدين والرسول ودورهما في الحياة. ومن هنا تبدأ المشكلة.

لقد كان في عهد رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه حضارات عظيمة، ازدهرت فيها أنواع مختلفة من العلوم والفنون، والأهم من ذلك، أنها كانت تملك رؤيتها الخاصة للعالم (World View، أو ما يعرف بالألمانية Weltanschauung وهو مفهوم يجدر بالقارئ التعرف عليه إن كانت هذه هي المرة الأولى التي يراه). لم يأت رسول الله إلى العرب، المتخلفين بمقاييس ذلك العصر، ويأمرهم أن يتبنوا إحدى تلك الرؤى العالمية، كما لم يرسل بعثات تعليمية لتنقل علوم تلك الحضارات، الأمر الذي سيؤدي أيضاً إلى تبني تلك الرؤية للعالم.

وقد تمت عملية نقل المعرفة، لاحقاً، والرؤية الإسلامية للعالم واضحة المعالم. تمت وتلك المعارف قد اصطبغت وتصالحت بتلك الرؤية الإسلامية. لا أقصد من ذلك أن عملية النقل تمت ببساطة وأن القضية هي، كما يظن البعض اليوم، مجرد تزيين للنصوص والعلوم ببعض الآيات. لم تتم بتلك البساطة التي تتلخص في تحصيل شهادة أو قراءة كتاب ونقله كما هو.

وللكلام السابق عدة دلالات، منها أن العلوم ليست مستقلة عن رؤية العالم. وبالتالي فإن المسلم الذي يسافر إلى الغرب ويبدأ بدراسة العلوم هناك، سيتعلم أكثر من مجرد “علوم”. سيتعلم رؤية للعالم، رؤية مناقضة للرؤية الإسلامية. وستظهر لاحقاً آثار هذا التناقض في مناطق متعددة مثل: هل يمكن أن تقع الكوارث الطبيعية بسبب الذنوب؟ هل هنالك شيء اسمه “العين” والحسد؟ هل تشفي الرقية الشرعية؟ هل تطور الإنسان تطوراً أم خلقه الله تعالى خلقاً؟

ونتيجة هذه التناقضات تبدأ محاولات التوفيق بينها. وبما أن “العلم” بالمفهوم الغربي أعلى درجة وأكثر “صحة” من معاني النصوص الدينية في وعي أو لاوعي الكثير من المثقفين والكتاب لدينا، فإن تلك المحاولات تقوم إما على تأويل النصوص، أو على تجاهلها والإغضاء عنها.

ويجب أن أشير في هذا المقام إلى الطرف المقابل، الطرف الذي يتمسك بعلوم “السلف” ويحارب الفلسفة باعتبارها، في أحسن الأحوال، بدون قيمة، أو في الأسوأ، كفراً. إن الاسئلة السابقة والتحديات ليست دينية وإن كانت تتعلق بالدين، هي اسئلة فلسفية بالدرجة الأولى، وليس هناك من إمكانية لفهم مصدرها الحقيقي وإيجاد الرد المناسب البعيد عن مجرد استثارة العواطف بدون دراسة الفلسفة. بعبارة أخرى، إن التحدي الأساسي الذي يواجه المسلمين اليوم فلسفي بالدرجة الأولى قبل أن يكون تقنياً أو مادياً.

ولعلي اختم بتأمل في قصة سيدنا إبراهيم، فهو عليه السلام بدايةً لم يشعر بنوع من الهزيمة النفسية والصغار أمام الأصنام الضخمة التي يصنعها قومه (إلا كبيراً لهم)، والتي تمثل ذروة المنتج التقني والفني في عصره. ولم يعمه ذلك عن بحثه النقدي وعن الغاية التي كان يبحث عنها. فبالرغم من حالة الأفول المتكرر التي لاحظها في الشمس والقمر والنجوم، فإن البحث الإبراهيمي عن الحقيقة لم يصل إلى نتيجة “كيبلرية” مفادها أن هنالك قانوناً فيزيائياً يحكم حركة أجرام السماء. البحث الإبراهيمي وصل إلى الله سبحانه وتعالى. وصل إلى رؤية للكون. وقبل ضبط هذه الرؤية لا يمكن دراسة الكون وتأطير قوانينه.

إن أي حل لا ينطلق أولاً من دراسة فلسفية صارمة وعميقة لرؤيتنا للعالم من جهة، وللرؤى الأخرى الموجودة اليوم، هو عبارة عن حل مؤقت ولن يسهم، على المدى البعيد، إلا في تعميق أزمتنا.

 
2 تعليقان

Posted by في سبتمبر 29, 2014 in Uncategorized

 

مفاهيم متضخمة: عن المرأة

الموضوع الذي سنتناوله في هذه المقالة حساس بطبيعته. فبعض القضايا تمس بنية المجتمع نفسه. وترتبط بالهوية. وتصعب مناقشة هذه المواضيع في أجواء التحدي والتهديد.

وقبل الدخول في الموضوع نقول: يتوزع وجود الإنسان على أكثر من مستوى، فله وجود مادي يصور علمياً بأنه مجموعة من الذرات. وله وجود على المستوى الفكري وعلى المستوى الشعوري. ينتج عن هذان الوجودان ما يسمى بالانتماء، وتسمى محددات هذا الانتماء عند وضوحها بالهوية. ويترافق هذا الشعور بشعور اللاانتماء أو الاختلاف، وهو ما يعطي للانتماء معناه.

لا تأخذ كل المفاهيم نفس “الحجم”. فبعض المفاهيم بطبيعتها أهم من أخرى، والأهمية هنا تتعلق بالهوية. وبما أن الهوية هي صورة أخرى للأختلاف، إذاً لتأكيد الهوية يجب أن يتم التأكيد على الاختلاف. وبالتالي يمكن أن تصاغ الهوية بطريقتين: إما بخلق وتطوير مفاهيم ذاتياً، وإما بالنظر إلى المفاهيم التي تعرف “الآخر” والانطلاق منها والأخذ بخلافها.

فالغرب مثلاً يعرف نفسه، من ضمن ما يعرف به نفسه، بالديمقراطية وحقوق الإنسان وتحرير المرأة. وصدى ذلك عند البعض في الشرق هو أن يعرف نفسه بالكفر بها جميعاً. ويصل الأمر بالبعض إلى أن يقرن الديمقراطية بالشرك بالله تعالى، أي أن الديمقراطية نقيض الإيمان.

ونتيجة هذا الوضع تتضخم بعض المفاهيم على حساب أخرى. فمثلاً في صفحة أحد الشيوخ، أخذ منشور عن خبر “منع العباءة المخالفة للشرع في إحدى الدول العربية” ما يقرب المئة ألف لايك، في حين أن متوسط عدد اللايكات على هذه الصفحة كانت بحدود العشرين ألف.

ما هي أهم قضية بالنسبة للمرأة في مجتمعاتنا اليوم؟ ماهي المشاكل الأولى التي يجب العمل على إصلاحها؟ كيف ينظر الإسلام إلى المرأة؟ كم عدد الأحاديث التي ناقشت لباس المرأة، وكم نسبتها إلى الأحاديث التي ناقشت قضايا المرأة ككل؟ لو أردنا أن نتحدث في موضوع حساس يخص المرأة في هذا العصر بجانب لباسها وطاعة زوجها وتربية أولادها، ماذا يمكن أن يكون هذا الموضوع؟ إن الشعور بالفراغ عند السؤال الأخير خصوصاً يعكس حقيقة مؤلمة.

أحياناً يكون التركيز على بعض القضايا الصحيحة تضليلاً، ليس لأنها ليست صحيحة بحد ذاتها، ولكن لأن التركيز عليها يرفعها في سلم الأولويات، الأمر الذي سيغطي بالضرورة على قضايا أكثر أهمية. وللتأكيد، ولتوضيح الواضح أقول، اعتقد تماماً بأن الحجاب فرض، ولكن أعتقد أيضاً بأن المرأة إنسان، تعيش في مجتمع، في القرن الواحد والعشرين، هي ابنة هذا العصر، وإن اختصار التحديات التي تواجهها والمشاكل التي تعيشها والآمال التي تتمناها وتطمح إليها…، كل ذلك في قضية لباس أو طاعة رجل هو نوع من الإنفصال عن الواقع الذي يمارس اليوم باسم الدين.

يبدأ الإصلاح الحقيقي بفهم شامل للشريعة ومقاصدها. إذ يمكن ببساطة أن نناقش جزئية محددة ونغرق فيها، ويمكن لهذه الجزئية أن تتضخم، تحت تأثير الواقع، لتبتلع باقي القضايا وتغطي عليها. ولتصحيح الوضع لابد من إعادة الأحكام إلى حجمها الطبيعي، الأمر الذي لا يتم بدون نظرة شمولية لها، نظرة إلى مجموعها ككل، ثم يتم ترتيب هذه الأحكام وفق أولويات تحددها مقاصد الشريعة. الأمر الذي يعيد لكل حكم حجمه الحقيقي.

 
2 تعليقان

Posted by في أغسطس 31, 2014 in Uncategorized